فخر الدين الرازي
175
المطالب العالية من العلم الإلهي
ذلك العلم إما أن يكون نظريا أو بديهيا ، فإن كان الأول ، افتقر ذلك العلم النظري إلى تقدم علوم أخرى عليه . والكلام فيها كما في الأول . ويلزم إما الدور وإما التسلسل ، وهما محالان . فوجب الاعتراف بوجود علوم بديهية ضرورية ، يجب الاعتراف بها [ لا لأجل حجة وبينة ودليل ، بل يجب الاعتراف بها « 1 » ] لأعيانها ولذواتها . إذا ثبت هذا فنقول : إذا أردنا أن نعرف أن تلك العلوم البديهية ، ما هي ؟ وكيف هي ؟ قلنا : إنا إذا عرضنا قضية من القضايا على العقول السليمة ، والطباع المستقيمة ، فإذا رأينا أصحابها مطبقين « 2 » على الاعتراف بها من غير شك ولا شبهة ، ومن غير حاجة فيها إلى [ ذكر « 3 » ] دليل وحجة ، فذلك هو العلم [ البديهي « 4 » ] الضروري الأزلي . ويكون جزم العاقل بأمثال هذه القضايا ، غنيا عن ذكر الحجة والبينة والدليل . إذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : صريح العقل يشهد بأن الشيء لا يحدث إلا عن مادة سابقة . وذلك يوجب قدم المادة . ولا مادة إلا الجسم . ومجموع هذه المقدمات الثلاثة ، يوجب قدم الجسم . أما بيان المقدمة الأولى ، وهو أن الشيء لا يحدث إلا عن مادة سابقة ، فتقريره من وجوه : الأول : إنا إذا شاهدنا إنسانا شيخا ، فإن صريح العقل يحكم بأنه ما حدث الآن مع صفة الشيخوخة دفعة واحدة ، بل إنه تولد عن الأبوين ، وكان جنينا ، ثم طفلا ، ثم شابا ، ثم صار الآن شيخا . ولو أن الإنسان تشكك في هذه الحالة ، وخطر بباله أنه لعله حدث الآن دفعة واحدة مع صفة الشيخوخة ، فإن كل أحد يقضي عليه بالجنون والعته . وأيضا : إذا شاهدنا قصرا مشيدا ، وبناء رفيعا ، ثم جوز مجوز [ حدوثه « 5 » ] دفعة واحدة ، من غير سابقة وجود التراب
--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) مطبقين متفقين ( ط ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ط ) ( 5 ) من ( ط ، س )